حيدر حب الله
13
شمول الشريعة
فقط ، وإعادة تركيز الاطر السلوكيّة المودعة فيهم في الأصل ، فالأنبياء لم يأتوا لتقديم معرفة إضافيّة لنا ، بل أتوا للفت انتباهنا للمعرفة الكامنة في نفوسنا جميعاً ، والتي غابت عن الحضور بفعل تأثير طغياننا ومصالحنا . هنا نجد من يقول بأنّ الدين لم يأتِ للدنيا ، بل أتى أساساً للآخرة ، وليس له برنامج دنيوي لإدارة الحياة الإنسانيّة ، كلّ ما يحمله هو رسالة روحيّة وأخلاقيّة تخلع على الحياة معنى . ونجد من يقول أيضاً بأنّ الدين إنّما تقصده الإنسانيّة في غير ما امتلكت مؤهّلات وعيه ، أمّا ما أودع فينا من معرفة فلا حاجة لنا به للدين ، بل بإمكاننا العودة لطاقاتنا الذاتية لوضع الحلول لمشاكلنا ، وهذا ما يفرز مثل نظريّة : توقّعات البشر من الدين ، والتي تلعب دوراً في تقليص مساحة الدين بالحدّ الأدنى من وجهة نظر بعض أنصارها . 3 - الدين بحدّه الأوسط ، وهنا يمكن تصوّر سلسلة من الفهوم للدين تتسع وتضيق تبعاً لرؤيتنا له . وسنرى في سياق بحثنا في هذا الكتاب كيف أنّ الأنظار اختلفت في هذا الموضوع واتسعت وضاقت . ونتيجة الكلام : إنّ فكرة تدخّل الله في الخلق يمكن أن تأخذ لنفسها شكلًا آخر يحدّد حجم الدين ، فعندما نقول بأنّ الدين يُخبر عن كلّ صغيرة وكبيرة ، فهذا الدين ثقيلٌ كثيرةٌ مدّعياته ، وأمّا عندما نقول بأنّه محدود بدرجة معيّنة أو محدود جداً ، فهو دينٌ خفيف قليل المدّعيات لا يزاحم العقل والتجربة في نشاطهما . موضوع البحث والشبكة العلائقيّة بهذا التصوير الذي قدّمناه ، بتنا نلاحظ جيّداً كيف أنّ موضوع مساحة الشريعة وتدخّلاتها وحجم المعطيات التي قدّمتها مقارنةً بحجم الوقائع ، هو موضوعٌ إشكالي يرتدّ أيضاً نحو علاقة النصّ بالعقل ( بمعناه الكلّي أو بمعناه الفردي النسبي ) ، فكلّما اتسعت مساحة الدين - ومساحة الشريعة - فإنّ مساحة العقل ستتراجع عندها ، وحجم التعارض المتوقّع سيكون أكبر ، والعكس صحيح ، بصرف النظر عمّن هو الذي ننحاز له عند هذا التعارض . إذن - وتلقائيّاً - موضوع بحثنا ذو صلة كذلك بقضيّة العلاقة بين الدين والعلم ، خاصّة عندما ينفتح معنى العلم على العلوم الإنسانيّة .